غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
122
تاريخ مختصر الدول
قلوذية . وفي هذه السنة خرج الراونديّة على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون ان ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور . وجعلوا يطوفون بقصره ويقولون : هذا قصر ربنا . فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشيا إذ لم يكن في القصر دابة . ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا أعني الراوندية جميعا وهم يومئذ ستمائة رجل . وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنسانا ورحّلهم من المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيّق لا يمكّن أحد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم . فخرج محمد [ 1 ] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي . وخرج إبراهيم أخوه بالبصرة في ثلثين ألفا . وقتلا ولم ينجحا . وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد . وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة . فلما ثارت الراوندية به فيها كره سكناها لذلك والجوار أهل الكوفة أيضا فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده . فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده . فقال له أهل الحذق : انّا نرى يا أمير المؤمنين ان يكون على الصراة [ 2 ] وبين انهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك . وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد . ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك . وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر . فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع . ولما عزم على بناء بغداد أمر بنقض المدائن وإيوان كسرى . فنقضه ونقله إلى بغداد . فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه . فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم . وجعل المدينة مدورة لئلَّا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض . وعمل لها سورين الداخل أعلى من الخارج . وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير
--> [ 1 ] - وكان يدعى بالنفس الزكية لزهده ونسكه . [ 2 ] - قال ياقوت في معجم البلدان : « صراة نهران بغداد الصراة الكبرى والصراة الصغرى ولا اعرف انا إلا واحدة وهو نهر يأخذ من نهر عيسى من عند بلدة يقال لها المحوّل بينها وبين بغداد فرسخ ويسقي ضياع بادوريا ويتفرع منه انهار إلى أن يصل إلى بغداد فيمر بقنطرة العباس ثم قنطرة الصبيبات ثم قنطرة رحا البطريق ثم القنطرة العتيقة ثم القنطرة الجديدة ويصب في دجلة ولم يبق عليه الآن إلا القنطرة العتيقة والجديدة يحمل من الصراة نهر يقال له خندق طاهر بن الحسين أوله أسفل من فوهة الصراة يدور حول مدينة السلام مما يلي الحربية وعليه قنطرة باب الحرب ويصير في دجلة أمام باب البصرة من مدينة المنصور . واما أهل الأثر فيقولون : الصراة العظمى حفرها بنو ساسان بعد ما أبادوا النبط » .